انتخابات موريتانيا المهزلة المرتقبة

شراء الأصوات والضمائر، التجنيد القبلي، استعمال الدين لأغراض سياسية… تميزت الانتخابات البرلمانية الموريتانية بخروقات لا تحصى وانتصار مشبوه للأحزاب الموالية للنظام العسكري. إلى رئيس دولة انقلابي يفتقد الشرعية، ينضاف الآن برلمان يفتقذ المصداقية. والشارع يزداد غليانا…

  

بعد تأخر طال عشرة أيام ومظاهرات عارمة نددت بالتزوير والفساد، أعلِن يوم 3 سبتمر 2013 عن نتيجة الانتخابات التشريعية الموريتانية. والنتيجة كانت متوقعة: فوز عارم لأحزاب الأغلبية الرئاسية، التي حصدت 90 مقعدا من أصل 121 تم حسمها في الشوط الأول. وكان نصيب الحزب الحاكم منها (الاتحاد من أجل الجمهورية) 50 مقعدا، في حين لم تحصل أحزاب المعارضة النظامية سوى على 31 مقعدا. سينظَم  الشوط الثاني (للحسم في المقاعد الـ26 المتبقية من أصل 147 مقعدا إجمالا) في21 من الشهر الجاري بعد أن كان من المفترض أن ينظَم يوم 7 دسمبر. غير أن النتيجة الإجمالية تبدو محسومة كيفما كان الحال. 

Elections
    ماذا تفعل ببطاقة التصويت، يا السيد الرئيس؟ مكانها في الصندوق، ليس في جيبك!ك
(
الصورة لمحمد ولد عبد العزيز التُقطت في مناسبة سابقة/ الوكالة الفرنسية للأنباء)

في أول رد فعل لها، طالبت منسقية المعارضة الموريتانية (المقاطِعة للانتخابات) بإلغاء الاقتراع التي اعتبرته باطلا لأنه تميز بتدخل سافر لأجهزة الدولة التي "حددت النتائج مسبقا". وأضافت المنسقية أن الحملة الانتخابية شارك فيها جنرالات ووزراء ورجال أعمال وموظفون كبار للدولة… كلهم مزودون بحقائب من النقود مسخرة لانتخاب مرشحي السلطة. أضف إلى ذلك أنه لم يتم اكتمال  تسجيل السكان، حيث  لم يسجَل سوى مليون و مائتي ألف مواطن على اللائحة الانتخابية، من أصل مليون و تسع مائة موريتانيين بالغين سن التصويت. واكتملت المهزلة بتصرفات اللجنة "المستقلة" للانتخابات (أو هكذا تسمى على كل حال، علما أنها خاضعة تماما إلى أجهزة الدولة)، التي لم تمد ممثلي المرشحين بمحاضر الفرز التي كان من حقهم التوصل بها… وبهذا، فلقد تأكد أن كافة المخاوف التي دفعت أحزاب المعارضة إلى مقاطعة الانتخابات استباقيا كانت في محلها. 

حتى المشاركين في العملية الانتخابية لم يرضوا بسيرها. فلقد رفض حزب "تواصل" الإسلامي الذي حصل على 12 مقعدا تأجيل الدور الثاني، معتبرا أن المهلة الإضافية ستمكن مزيدا من التزوير لصالح الحزب الحاكم. وكان حزب تواصل  منخرطا قبل الانتخابات في منسقية المعارضة ويشاركها في المطالبة بـ"إسقاط النظام"، غير أنه قرر الخروج على ميثاق المنسقية في آخر لحظة والمشاركة منفردا في الانتخابات. وها هو اليوم يندد بالتزوير الانتخابي…  

من باب الإنصاف، ليس اللوم على أجهزة الدولة والحزب الحاكم والطبقة السياسية فقط. الواقع أن أطيافا واسعة من النخب الموريتانية شاركت في إفساد عملية ابتعدت كل البعد عن الحس "الديقراطي" المنشود رسميا. 

من باب الإنصاف، ليس اللوم على أجهزة الدولة والحزب الحاكم والطبقة السياسية فقط. الواقع أن أطيافا واسعة من النخب الموريتانية شاركت في إفساد عملية ابتعدت كل البعد عن الحس "الديمقراطي" المنشود رسميا. فإلى جانب الاستقطاب القبلي الذي حظر بثقله المألوف، برزت ظاهرة جديدة وهي الدعاية الدينية المفرطة. وذهب ذلك إلى حد ظهور لائحة أعطت لنفسها إسم "سفراء الرسول"، وحزب يدعو الشعب الموريتاني إلى "التصويت لله" (يعني له طبعا)، وفقهاء وعلماء يستدلون بحجج قرآنية لحث الناس على التصويت لأحزاب النظام… 

لكن ربما قد يكون لهذه المهزلة الانتخابية وجه إيجابي: لقد أصبح الآن الوضع السياسي الموريتاني واضحا وضوح الشمس في النهار. من جهة، معارضة  لا تشارك في محافل النظام ولا تعترف بمؤسساته، ومن جهة أخرى، نظام عسكري متكئ على برلمان مطعون في شرعيته، ويحكمه رئيس كذلك مطعون في شرعيته (للتذكير، الجنرال محمد ولد عبد العزيز أصبح قائدا لموريتايا إثر انقلاب عسكري قاده سنة 2008). أضف إلى ذلك غضب الشعب المتزايد بسبب الفقر والبطالة و والنهب الممنهج للثروة العمومية، والاحتقان السياسي والحقوقي الذي يميز الشارع مند اندلاع الربيع العربي…. باختصار: موريتانيا بركان قد ينفجر في أي لحظة.
 

* أحمد ولد جدو مدون وناشط موريتاني. تابعو تغريداه على تويتر

Add comment

Security code
Refresh